16‏/04‏/2011

تلك الأشياء













هل هى إمرأة..أم أنثى..أم صبيّة..أم طفلة ؟..
هل هى قاسية..رقيقة..مُجاملة..أم صادقة؟..
هل هى ودودة"حبُّوبة"..أم منعزلة "برّاوية"..رومانسية حالمة..أم صخريّة واقعية؟..
هل هى مغرورة..متكبّرة..متواضعة..أم مكتئبة تمقت البشر؟..
الغريب أنها ليست شخصية مُركبّة..
والعجيب..أنك دائماً ما تحتار فى أمرها!..
إنها فصل (سبتمبر) القاسى !..المتقلّب..يومٌ بارد كالثلج..ويومٌ لافح كالجحيم !..
عرفتها منذ مُدّة قصيرة..والحق أقول ,والصدق أبغى..أن لفظة "عرفتها" لهى أطول بكثير من المدّة الفعليّة التى عرفتها فيها!..لك أن تتخيّل إذن..
ما السرّ فى معرفتنا بهذه السرعة..وفى مُدّة بالتأكيد كان سيسيل عليها لُعاب د.(زويل) عندما يعلم أنها أقصر بكثير من (فيمتو) ثانيته, و "سينفش" شعر (آينشتين) أكثر عندما يكتشف أنها أسرع من سُرعة ضوئه!..
حقاً إنه عالم غريب..
دنيا عجيبة , وواقع من الخيال أعجب!..
***************** 
 
كنتُ سائراً ذات يوم,وتوقفّت كعادتى عند بائع الجرائد والكتب القريب لمنزلى..ظللتُ أتفحّص الإصدارات الجديدة أو القديمة الجديدة بالنسبة لى !,إلى أن استلفت نظرى كتاب يتحدّث عن مجال كان بالنسبة لى لم أقرأ فيه بالشكل المُرضى؛ لنُدرة كُتّابه وصعوبة المجال ذاته وخطورته أحياناً..كان الكتاب زهيداً فى ثنمه,قيّماً وباهظاً فى مضمونه وهدفه..واشتريته..ووضعته ضمن جدول مواعيد القراءات التى تأتى غالباً حسب روقان البال!..ولحُسن حظّى فقد أتى ذلك الكتاب فى بداية القائمة..كتاباً صغيراً كان..كبيراً وعميقاً فى محتواه وأفكاره وأسلوب كاتبته!..نعم..أنت لم تُخطئ القراءة..كاتبته..فهى أُنثى..فى الحقيقة لم أتوّقف طويلاً عند تلك النقطة,بالأحرى لم أتوقّف عندها على الاطلاق..فأنا لا أعترف بما يُدعى بالأدب الأنثوى أو الذّكورى, الأدب  فى نظرى جيّد وردئ ولا أعرف طريقة أخرى للتقسيم..وفتحت الكتاب..وأنا لدىّ عادة قديمة خصوصاً إذا إقتنيتُ كتاباً لأحدٍ لم أقرأ له من قبل,وهى أننى أبدأ بآخر صفحة فى الكتاب!..تلك السّطور التى تتحدّث عن سيرة الكاتب..فإننى أحب أن أتعرّف على ذلك الضّيف الذى أستضيفه فى صالون عقلى ويجلس و(يعششّ) ويتربّع على (أنتريه) خلاياه!..
وقرأت بعضاً منها..
من الواضح أنها نشيطة..تستغلّ ذلك الكنز الثمين الذى نتفنّن نحن فى إهداره وتبديده...الوقت!..
متعددّة الإهتمامات كما رأيت , وإن كان يغلب على إنتاجها وإبداعها ذلك المجال الذى إختارته ليكون المصبّ لشلاّلها الفكرى والإبداعى..وفتحت الكتاب , وبدأت أقرأ..
أسلوبها سلس..ناعم..رقيق..يتسرّب بهدوء داخل عقلك من خلال عيناك..متجانس لا تشعر معه بملل أو زهق أو ضيق..رشيق..كراقصة باليه محترفة فى (البلشوى) الروسى!..تشعر بأنها تهمس فى أذنك , خصوصاً أنها تتحدث بأسلوب إنسانى دافئ حميم أكثر منه مما يغلب عليه مجال كتابها,ولحًسن حظّى كذلك أننى صادفتُ كتاباً قريبٌ هو إلى قلبها بشكل خاص كما حكت لى فيما بعد..المهم..
إنتهيت من القراءة , وبدأت الأفكار!..
فعندما أنتهى من قراءة شئ ذو قيمة فإننى أطويه وأحتضنه بين يدى وأُغلق عينى وأسرح قليلاً, وأفكّر..وأستوعب..وأشبع..وآخذ فترة حتى أستطيع أن أُرتّب أفكارى..
ما الذى جعلنى فجأة أعود وأفتح تلك الصفحة التى تتحدّث عن سيرتها..لا أدرى!..المهم..وقعت عيناى على بريدها الالكترونى الخاص بمراسلة الكاتب..فابتسمت فى إرتياح..وهنا أقول سراً لا تعلمه
هى حتى الآن , هو أننى لو لم أجد بريدها الالكترونى هذا,لكنت سعيت بكل الطُرق حتى أصل إليها!..ولكن الحمد لله الذى دبّر الأمور وفعل أجلاً كان مكتوبا..
بحثتُ عن صفحتها الشخصية فى (الفيسبوك) ووجدتها فبعثت إليها طلب قبول صداقة وتشريف على حسابى الخاص..حتى تفضلّت وقبلت الدعوة..فأرسلت لها رسالة تحية تقدير وتعريف طفيف بشخصى الضعيف..ولاحظت أن أصدقائها معدودون , مقارنةً بحسابات أخرى لأفراد , الطفيّليات لها فائدة عنها يتجاوز أصدقائها الألاف!..على أية حال,فأنا لدى نظرية فى هذا الشأن,فأنت لست فى إحتياج لآلاف الأصدقاء كى تكون لك شخصية جذّابة ومعروفة , فالأسد يسير وحيداً بينما الخروف يسير فى قطيع!.على كل لم أكن أتوقع رداً منها بصراحة,فأنا أعلم جيداً هموم الكاتب وظروف عمله خصوصاً لو كان فى مجال مثل مجالها..حتى فاجأتنى ذات يوم بردٍ على رسالتى..رداً رقيقاً..فيه إعتذار ذوق ومحترم ولبق عن التأخير فى الرد..رداً..ناضجاً..محترماً..مضيافاً..ودوداً..ليس به إستعلاء أو مراهقة أو فرحة الأهبل  بكلام حلو!..وظننت أن الأمر إنتهى عند هذا الحدّ...

ودارت الأيام على رأى الستّ..وأنا أتابع صفحتها بشكل منتظم أحياناً..وأرى حديثها مع أصدقائها وتواصلها مع المعجبين والمشجّعين والمحفّزين والمُحبطين والأقارب والأصدقاء والمعارف والزملاء..والمواضيع والأحداث التى تُثيرها..والآراء التى تتبنّاها وتُعلنها..والموسيقى والأغانى التى تضعها..وأنا أكتشف كل لحظة تمُّر أنها أروع من اللحظة الماضية!..والحق أقول , والصدق أبغى..فإن إعجابى بروحها ليس لكونها إمرأة والسلام!..أو لكونها صوبّت على أشياء أنا أعشقها وأتفق معها عليها بشكل خاص..أغان..موسيقى..كلمات..آراء..وفى كل مرّة أهمّ بأن أسجلّ إعجابى بذوقها أو أضع رداً  , أراه يتوه بين مئات من كلمات الاعجاب والمدح , فأتراجع خجلاً..فأين تذهب ذرّة الصفيح بين اللالئ!..
مع العلم أنها لا تُهمل أى ردٍّ مهما كان مختلفاً معها أو سخيفاً أو مستفزاً فى بعض الأحيان..
تناقشنا,واختلفنا,واتفقنا,ووقفنا أحيانا على الحياد..ولكننا اتفقنا على الودّ والاحترام والقبول والانصات لرأى الآخر,وتفادى الصدمات الأولى التى تنتج تلك الشرارات الأوليّة لأى معرفة جديدة,ومن خلال تواصلنا القليل وكلامها الأقل معى إستطعت أن أقرأ بعضها..
فهى من النوع المهذّب..المهذّب قوى..المهذّب جداً..المهذّب زيادة عن اللازم!..لديها نوعاً فريداً من التهذيب يُفقدك الحميميّة فى الكلام..
كان هذا أوّل إنطباع آخذه عنها..ذلك النوع من التهذيب اللاّزم وفرض الحدود الواجبة مع الغرباء,خاصة وهى من النوع قليل الكلام إذا حدثت المعجزة وتكلّم !,تنتقى ألفاظها جيداً فلا تحمل كلمة ما من كلماتها أكثر من معنى..إذا قالت شئ ما فهى تقصده بعينه,بذاته..إذا رأت شيئاً يُزعجها أو يُثير حفيظتها فببساطة تتجاهل ولا ترّد !..
لا تحّب الخسارة هى,وتبحث دائماً عن الكمال لذا فهى مُنهكة التفكير والروح والجسد دائماً!..
عندما لا تستطيع الوصول إلى أحد أهدافها,تدخل فى دوّامة إكتئاب وإحباط لفترة قليلة,ولكن دون أن يعلم أحد,فتحارب مع نفسها لتصل إل الحل للخروج من تلك الدائرة بيدها ,فكبريائها لا يسمح بأن يكون لأحد فضل عليها بمساعدة؛فعزّة نفسها عالية جداً..وإن كانت فى بعض الأحيان تحتاج لكلمات التشجيع والتحفيز والتذكير والشدّ من أزرها بأنها على الطريق السليم..
تتمتّع بشجاعة وحماسة قوية..تعتمد على نفسها وذاتها وتتحمّل مسؤلية قدراتها واحتياجاتها..
تحّب الإختلاط بالناس..تعتقد أنها الأذكى بين أقرانها..تريد أن تكون بارزة فى المجتمع..مضيافة رائعة من الطراز الأول..تنتقى كلامها وتستعمله بالوجه المطلوب وبالدور المرسوم فى المجتمعات التى تُقدّر بلاغتها وذكائها..ترفض أن تلعب دور الضحيّة الشهيدة..تتمتّع بعنفوان وكبرياء وكرامة لا يُستهان بها..وعشقٌ أسطورىٌ لحريتها..
سرّ كبريائها فى أنه ليس غروراً كما يتوهّم البعض منعدمى الشخصية!,وإعتقادها بأنها أفضل وأحسن من الكل ليس تكبُّراً!..وليس نابعاً من شعورها بكراهية أو حقد أو غلّ..الأمر ببساطة هى أنها تفهم وتحسّ وتشعر بقدرها جيداً وتعلم أنها طيبة وكريمة وسخيّة ومضيافة ومُساعدة..وإذا خدعت نفسك بأنه بإحتياجها لكلمات المديح والاطراء والتحفيز والتشجيع المستمرّ هو ضعف ثقتها بنفسها أو لإهتزاز ما فى ثباتها فأنت مُخطئ على طول وعرض ومُحيط و إرتفاع الخط!..فأنت بمديحك هذا لا تُضيف إليها شيئاً جديداً فى الواقع,كأنك تشكُر الشمس على منحها إيّاك الدفء !..هى تسمع مديحك وإطرائك وتحفيزك فقط لتؤكّد لها أنك تعلم وتتذكّر جيداً مزاياها..أنت تمدحها لتنول طوفان الحنان والمساعدة والاهتمام والعطايا التى ستمنحها إيّاك فعلاً دون مقابل..حتى لو لم تمدحها..فهى تعطى وتفيض,وتعمل الخير دون حتى أن تهتمّ برميه فى البحر!..

*****************
بعثتُ لها ذات يوم طالباً ومُهتماً برأيها فى شئ قريبٌ هو إلى قلبى بشكل خاص..وقرأتْ وبسرعة لم أتخيلّها,فقد كان ذلك الشئ عبارة عن خاطرة من عشرة صفحات وبأصغر خطٍّ مُتاح!..المهم..كان ردّها عمليّاً..تحليليّاً رائعاً,وإن كان يشى بأنها مرّت عليه مرور كرام ولم تتعمّق فى مغزاها كما كنت أرجو..على أى حال..كان ردّها شافياً كافياً بالنسبة لى..وكانت البداية الحقيقة لقراءة كُلاً منّا للآخر..
حتى تلك اللحظة لا أدرى ما الذى جذبنى إليها بشكل خاص!..الشئ الأكيد لدىّ هو أنه ليس بسبب شهرتها ككاتبة,فأنا لم أكن أعرفها,ولا بسبب إشتراكنا فى عشق المجال الذى تُبدع فيه,فأنا لست أسعى لمعرفة كل كاتب أقرأ له معرفة شخصية,بل قد يحدث العكس أحياناً,فبعض الكُتّاب أقرأ لهم ولا أسعى (لقراءتهم),كذلك ليس بسبب إنتقائها لتلك الأشياء الرقيقة من أغان وموسيقى,فلست أنا الوحيد المُعجب بها على كل حال !..
قُلت لها عندما إلتقينا أنها "بنت بلد"!..أسعدتها كثيراً,قائلة بأنه فخرٌ لها بأن تكون بنت بلد..ولكنها لم تفهم جوهر قصدى وأخذتها على محمل الوطنية أكثر من محمل "الجدعنة" و"الأنثوية" الذى كنت أقصده!..
تأسُرك منذ أوّل لحظة نظرة..ينهار فى حضورها مدد من الحواجز والمحاذير خاصة إذا إطمأنت لك وأحسّت بأنك لست من (إيّاهم) وأنك صادق وأمين ولا تعُضّ بعد الثانية ظهراً !..
تُفرض عليك مُعاملة الأخت الكُبرى دون أن تشعر!,حتى وإن كنت أكبر منها سنّا!..ولكنك لا تتحفّظ,وتأخذ الأمر بأريحية ظريفة,ويرجع ذلك لأسلوبها الناعم الرقيق الودود..وعلى كل فإن كل الرجال أطفال كبار فى نهاية الأمر!..
حسّاسة جداً هى..ولأنها تعلم ذلك فإنها تُغلّف حساسيتها ورومانسية أفكارها وآرائها وأسلوب حياتها بغلاف من القسوة أحياناً..من المجاملات الخالية من حرارة المشاعر أحياناً..ويؤدى ذلك الأمر إلى تخزين قوة ذريّة من المشاعر والأحاسيس بداخلها تجعلها تُوقن أنه ما من شخص عادى سيتحمّل قوة إنفجار مشاعرها إذا عبّرت عن نفسها,ويستطيع أن يستوعب طوفان الأحاسيس وبركان العاطفة الذى يغلى بداخلها ويُطالبها كل لحظة أن ينفجر..
بعدما جلسنا وتعارفنا _ هى أجمل وأصغر من الصور بكثير,قد يعود ذلك لرداءة من يصّورها! _ فى ذلك المكان الثقافى,كان لديها موعد تقضية واجب لزميلة كاتبة فى مكان تُراثى أدبى على قُرب من المكان الذى نجلس فيه..وعرضت عليّا بكرم أخلاق وضيافة قبل ذلك أن آتى لتلك الندوة وأستطيع أن أراها..وأُحرجت فى الحقيقة..فأنا لم لم أكن مدعوّاً لحضور الندوة ولا أعرف الكاتبة الضيفة ولا قرأت أصلاً الرواية موضوع الندوة!!,ناهيك عن أنّى ضغطى مرتفع وخُلقى أضيق من ثقُب الإبرة والسُكّر يشاور عقله معى لأحضر تلك الندوات والجلسات التى شربت من (كيعانى) بسببها!..
ولكن حين أتى موعد ذهابها رأيت أن الوقت قد تأخّر و الظلام فرض سلطانه على مملكة السماء, وهى وحيدة بمفردها , وهى تسكن فى منطقة بعيدة , وأنا فى الحقيقة لم أكن قد "إستفتحت" معها بعد فى الكلام ,خصوصاً أنه خلال لقاءنا كانت قد أجرت حديثاً صحفياً عنها وعن أعمالها لجريدة ما,وقد سمحت لى بفيض أخلاق أن أكون حاضراً خلال اللقاء..
فقررّت أن أذهب معها إلى هناك ولله الأمر من قبل ومن بعد!..

 ******************
ذهبنا إلى ذلك المكان الذى ستُقام فيه ندوة صديقتها سيراً,ونحن نتجاذب ونشدّ أطراف وأذيال أحاديث ومواضيع مختلفة..تُبهرك هى فى المواقف المتأزمّة الصعبة ,وتجد أداؤها مختلفاً عمّا هو مرسوم,حذرة ومنطوية ومنغلقة فى الأمور الشخصية..رومانسية حالمة..إذا إصطدمت ببرودها الظاهرى وقناع الصرامة الذى تضعه ,فذاك نوعاً من السلوك الدفاعى اللازم للتعامل مع الغرباء كما قلت لك فى البداية,إذا إنخدعت فى جنونها فذاك بسبب طبيعتها المتجددّة كالشلاّل..تراها لحظة مندفعة فى الحديث ومتدفقّة فى الكلام والعبارات والمشاعر ,وفجأة تصمت وتشرد لحظة وتطير عيناها للاّمكان,وتسكت أنت إحتراماً لصمتها إلى أن تسألك فجأة سؤالاً ليس متوقعاً ولا مرتبطاً بالحديث الذى كنتم تقولونه!..

جنونها ليس نابعاً من مراهقة صبيّة لا تستطيع أن تُلملم مشاعرها فى جُعبة عقلها ولا تستطيع أن تترجمها فى شكل عبارات وجُمل مُفيدة , فتتوّهم أنت أنه رصاص طائش من بندقية عيارها مُنفلت!..لا..بل جنونها نابع من تمزُّق روحها عذاباً بين الرومانسية الحالمة العاطفية,والعقلانية الواقعية العمليّة..فالرومانسية تجذبها وترفعها نحو الأحلام القُرمزية الطفولية الحالمة والحب الصادق الأفلاطونى الخالى من الشعارات وكلام الأغانى,وتكوين الأسرة وتحقيق كينونتها الاجتماعية وطبيعتها كأنثى و حلمها كحبيبة وعاشقة وزوجة وأم وربّة أسرة وبيت..والعقلانية التى تشدّها إلى الواقع الكئيب بلونه
القاتم والاضطرار للتعامل مع هذا وذاك..مع المحترم والنذل..مع العصفور والثعبان..مع عزيز النفس والاستغلالى الحقير..وهى التى لا تستطيع أن ترفض طلب أى شخص قال لها "من فضلك"!.ففضلها ليس له آخر..العقلانية التى تُطالبها بتحقيق كينونتها الشخصية وطموحاتها العملّية خوفاً من الفشل ولقُدسيّة المهمة التى وهبت روحها وعمرها وفكرها ووقتها وأعصابها وأحلامها وراحتها لها..الرومانسية التى تمنحها الحنان والطبيعة الحالمة الرقيقة كالندّى وشفافية ونقاء وبراءة الأحلام الطفولية..العقلانية التى تجعلها ناضجة ورزينة ومتسرّعة ومتّزنة وصارمة وقاسية كالأيام وصامتة كالقبر وحكيمة وغامضة كالغد ولا حدود لخيال طموحها..
الرومانسية فى تحقيق حلم الحب,والعقلانية فى تحقيق حلم الذّات..
هذا الصّراع يفرم كيانها..ويعصُر روحها..ويُمزّق أحلامها أشلاء..وهى تعود مُنهكة الجسد والروح لتنام وهى ترجو الطبيعتين فى توسّل ورجاء أن يسكتوا ويهدأوا قليلاً ويؤجلّوا صراعهم الأزلى لفترة قصيرة؛لأنها فقط مُتعبة وتريد أن تنام...
لذلك فأنا أرى وأستطعم دائماً فى أى عبارة تقولها أنها مُلوّنة بصبغة عجيبة,ففيها الرومانسية الانسانية وفى نفس الوقت العمليّة الواقعية..بإختصار,أشبههّا برمز المسرح!..نصف وجهها وروحها ضاحك صبوح مُقبل,والنصف الآخر باكى قاتم مُحبَط..
مثالية هى..حادّة الذكاء والبصيرة,تمتلك القدرة على إظهار شخصيتها والتأقلُم مع كل المجتمعات والفئات والعقول,بدءاً من الفقيرة البسيطة إنتهاءاً بالأرستقراطية المُرفهّة وبخاصة المثقفة منها..لديها إهتمامات واسعة التنُّوع وتحتفظ دائماً وتكوِّن رأياً خاصاً بها...سلسة ومرنة..ترضى بالاختلافات العديدة بين الأشخاص..
تعشق المعرفة..لا تكُّف عن الدراسة والبحث والتحليل,ممّا يحفزّها ويشحنها بطاقة أمل فى أنها ستحقّق يوماً من الأيام طموحها المفقود..
تحّب الجديد فى كل شئ,ورغم أنها صبورة فى إنتظار النتائج,إلا أن المناقشات الطويلة العقيمة المجدبة تُثيرها,فهى متسرعّة ولا تحّب (اللّت والعجن) الذى ليس له داع!.ذات طبيعة مُثابرة,وتبذُل إهتماماً خاصاً بأى مشروع يأتى وفق مزاجها وميولها ,فتسعى فى تحقيقه فى ثبات وثقة وتحدّ وإن كان الطريق مُغيّم ويغشاه كثيف الضباب وملئ بالعقبات والعراقيل والممنوعات والمحاذير والصعاب والمُحبطِين والمنتظرين لها أن تفشل وأن ترفع الراية البيضاء,فكل هذا لا يُثنيها عمّا عقدت عليه العزم,بل العكس..تتولّد طاقة جبّارة بداخلها تُحفزّها وتدفعها على أن تستمرّ وتواصل وتتولّى مشروعها   
بالمراقبة والمتابعة,إلى أن تُملى عليها بصيرتها وقدرتها القرار السليم,ومن ثمّ تتخذّ قرارها مهما كانت النتائج..
تُعطى نفسها كُليّاً لمن تحّب وتثق..مرتبطة بكل إنسان من الوجهة العاطفية الإنسانية..رقيقة..لكنها تبدو غامضة متكتّمة..تُميّز الصدق من الكذب..ثقتها بنفسها وعزّة نفسها عالية..
عاطفية جداً رغم محاولة إخفاءها لهذه العاطفة,ولكنها ليست العاشقة السينمائية الرومنطقية الأفلاطونية..وليست المُحبّة المنفتحة..الحب مشكلة فى رأيها ويزيد الأمور تعقيداً أكثر ممّا هى عليه..فهى لا تفهم أحاسيسها ومشاعرها حقّ الفهم,أن الرجل الذى يتقبّل شخصيتها المستقلّة المتمّردة وتحررُّها وتفوّقها ,ويتفهّم تحفظّها فى الحب وإخفاءها لأحاسيسها,لا شك أنه سيعرف أنها أنثى قادرة على أن تجعل حياتها وحياة شريكها إلى مُتعة ناضجة متزّنة مستقّرة..
إذا إستطعت أن أوجزها فى كلمة واحدة فستكون....الحائرة!...نعم...هى الحائرة,القلقة,الخائفة الهلعة من غدر وشراسة الأيام التى لا ترحم ملكاً أو صعلوك..فهل صديق اليوم هو عدوّ الغد..هل الأقارب سيظلوا قريبين..هل ستحقق ما تصبوا إليه وما ترجوه..هل ستنشر ذلك الكتاب يوماً ما..هل ستستطيع أن تصل إلى ذلك المصدر الهام..هل ستقدر أن تُحيط علماً بكل شئ متصّل بهذا الموضوع..هل ستستطيع أن تأخذ وتحصل على كل شئ أو أى شئ من كل شئ..هل ستسمع ذات يوم صريخ ولدها وهو يُناديها..هل ستنبُت على جبينها حبّات العرق الناتجة عن ولادة إبنتها وهى تحتضنها فى حنان وفخر..هل سترتاح يوماً على صدر رجل...
عزاءها وعذابها فى آن واحد هو أن ذاك بيدها...

**********************
"من بعد ها العُمُر, كبيرة المَزحة هاىّ "!

                       (فيروز)

 ********************** 
بالتأكيد صادفَتْ هذا النوع مرّات!..
نوع الذّكر _ لا أقول الرجل _, الذى يُعجب بشخصيتها عن طريق شهرتها ويخدعها بحديثه الرزين المُمنطق حول إيمانه بحريّة المرأة وإعجابه بعقلها وقُدسيّة ما تقوم به ولا يُبدى _ فى البداية_ تحفظاً على إنشغالها وتعبها وإجهاد ذهنها وروحها..
الذّكر الذكى الذى يتظاهر بالفهم والرُقّى والترفُّع عن الشهوات الحيوانية,المتفهّم العاقل الرزين المستوعب للأشياء والقارى _على رأى عبد الفتاح القصرى رحمة الله عليه !_ ,وبأنه يختلف عن كهنة القبيلة, المُعجب بأسلوب شخصيتها ونضُوجها وعِنادها وتصميمها وإصرارها على أن تُحققّ ذاتها , حتى تأتى تلك اللحظة التى تسقط فيها كل الأقنعة الزائفة..يسيح عسل الكلام..ويذوب شمع الأحاسيس والعبارات الرقيقة..وتذبُل ورود الأحلام والوعود..
ويتحوّل القناع الناضج المتفهّم الحانى إلى غُول يريد أن يتحكّم ويأمر فيُطاع بلا نقاش..أكيد صادفَت مثل هذا النوع..من يظنّ أنه إله تفضّل عليها فأحبّها , لذلك لا بُد لكرم أخلاقه أن يقول لها كونى فتكون!..هذا النوع أجبن من أن يواجه نفسه بالحقيقة قبل أن يواجهها بها..هذا النوع الذى فى مفهومه أن الحب تملُّك وتحكُّم..هذا النوع هو المادة الخام للأنانية والصلف والغرور والإستغلال..هذا النوع يشعر بأنه (يستكتر) هذا الكيان الناجح على أحد غيره!..ينتقص من نفسه فيغار من نجاحها ويريد أن يستأثره ويمتصّه بشراسة..بنقص نفسه ودناءة ذاته يريد أن يُفرض شخصيته الضعيفة على شخص أضعف منه من وجهة نظره مستغّلاً بإحتقار حاجتها الفطرية كأُنثى..
هذا النوع الذى يغزل خيوطه العنكبوتية اللزّجة حول رقتّها وبراءتها وسذاجتها وفرحتها وإنخداعها وإحتياجها, ولكن قبل أن يغرز السمّ فيها تنتفض هى فى صحوة مفاجئة بسبب طبيعتها المتمردّة الرافضة , ولذلك فهى تريد أن تبتعد عن الحب وتقنع نفسها بأنه أمر غير ضرورى؛ لأنها تعشق الحرية المُطلقة وتكره فرض القيود والحواجز , ولفهمها الخاطئ أن كل الرجال كذلك , ولفهمها الخاطئ للحُب بأنه قيود وحواجز وقُضبان..

***********************
" مين إللى قال عِزّك بذُّل خضوعى
  ولاّ غلاوتك فى الهوا بدموعى
   لو كنت أرضى بالهوان, فين قلبى
   وإزّاى تنُوله وتحكُمه فى ضلوعى  "

( أحمد رامى _ لا يا حبيبى )
*********************** 
مُخطئة هى عندما تظن أن تحقيق ذاتها ينفصل ويتعارض مع تحقيق وتكوين أسرة ناجحة..
و مُخطئة هى عندما تُقارن وتُفاضل بين هذا وذاك,وعندما ترى أن طموحها العملى يقف عقبة ويُعيق طريق الإستقرار الإجتماعى الذى تأمله كما تأمل تحقيق طموحاتها وأحلامها وآمالها التى بلا حدود أو حواجز أو أسقُف..
فالأسرة الصحيحة هى كيان "واحد" مترابط متكامل..هى "المشاركة"..ولزاماً أن تكون المشاركة متكافئة,ليس لأحد هنا فضل على الآخر أو مَنّْ..لا بد أن يكون الطرفان على قدر المسؤلية الحقّة اللازمة لبناء أصغر وحدة مجتمع..فإذا كان نصف الجسد معطباً ومُحبطاً ويائساً وليس محققاً ذاته الأولى, فسينهار الجسد كُلّه فى ثوان..لا بد أن يكون كل نصف من الجسد صحيحاً وسليماً ومتماسكاً ومساعداً ومشاركاً للنصف الآخر..
أهمس فى أذنها : " غيرّى وجهة نظرك هذه..فإن كنتى قد قابلتى هذا الصنف من الذّكور فأنتى لم تُقابلى بعد "الرجل"..الرجل الذى يُدرك ويعى أن بناءك لذاتك ما هو إلا خطوة واجبة مفروضة لازمة لمشاركتك ونجاحك فى بناء وتكوين كيانه هو وكيان الأسرة,وفهمك وإدراكك بأنك لستِ عالة أو عوالة أو كمالة طابور..الرجل الذى يحتويكى برجولة أفعاله,ليس بكلامه وثرثرته ومغامراته النسائية..الرجل الذى يقول لأصدقائه أنه يُحّب "إنسانة" وليس "الكاتبة فلانة"..الرجل الذى يحتوى مدار أحلامك ويكون شمساً تُبددّ لكِ بعضاً من ظلام الطريق..الرجل الحقّ الذى يدرك ويعى كلام سيد الخلق "محمد" عليه أفضل وأشرف وأعظم صلاة وسلام,حينما وصّاه خيراً بالنساء وبأن يُرفق بالقوارير وبأن يكون خيراً لأهله..
رجل يعلم أنه لا بد أن يكون فاضلاً أولاً قبل أن يفتّش على الأنثى الفاضلة , فالثمار لا يمكن أن تظهر إلا إذا ظهرت الزهور أولاً, ويعلم أنه ليجد إمرأةً "كخديجة",لا بد أن يكون رجلاً "كمحمد"..
رجل..يريد لحظة إنفعال..لحظة حب..لحظة دهشة..لحظة إكتشاف..لحظة معرفة..يريد لحظة تجعل لحياته معنى وقيمة..رجل..يدرك أن الحياة من أجل أكل العيش لا معنى لها لأنها مجرّد إستمرار..رجل يُضحّى بكل حياته وعمره وماضيه وحاضره ومستقبله من أجل لحظة كهذه معكى..
رجل مغروس فى أصوله وتربيته أن سيد الخلق و الرجال كان يُحيك ثوبه ويخسف نعاله ويساعد أهل بيته,وهو متزوّج من أمّهات المؤمنين,والأُمّة كلها رهن إشارته..ولكن هكذا الرجال,وهكذا كان رحمة وقدوة حسنة للعالمين,وهكذا كان صلى الله عليه وسلم على خُلق عظيم...
الرجل الذى يمسك بيدها فيحتضن كيانها كله ويحتوى بحنانه روحها القلقة المتمّردة..رجل يعى أن حريتّها جزءٌ لا يتجزّأ من حريته,يُدرك أن كرامتها وكبريائها وتمسُّكها بآرائها هى أُولى مبادئ وظواهر وبرهان رجولته الفعليّة ,الرجل الذى يحافظ ويصُون ويرعى أُنثاه ويحترمها ويقدّرها..فتُعطى له كل حياتها..ماضيها..وحاضرها..ومستقبلها..وأفكارها..وروحها..وكيانها..بلا تردّد..بلا تحفُّظ..بلا محاذير..
رجل (إبن بلد)..جدع..شهم..دمُّه حامى..ربّاه أهله و علمتّه الأيام والخبرات والتجارب على أن يكون مسؤلاً,يعتمد عليه الكبير قبل الصغير..رجل فرمته تروس الحياة,فيُدرك أن فى أحضانك الوطن والسلام والدفء والراحة والطمأنينة والاستقرار..
فالزواج ليس مجرّد مقابلات فى الفراش..بل هى أسمى وأعلى مراتب الحُب..كذلك ليس مجرّد طبيخ أو كواء أو تنظيف..فتلك عناصر..مناسك..النوع الأول من الذّكور يراها أولويّات ولا يرى شيئاً غيرها ولا يُريد شيئاً دونها..أما "الرجل" فيراها أبجديات لا أولويّات..فالإسلام مثلاً هو دين الرحمة والتراحم والمعاملة الحسنة والكلمة الطيبة والإبتسامة الصادقة وصلة الرحم واحترام الكبير والعطف على الصغير,قبل أن يكون صلاة وصوم وزكاة..الإسلام دين روح..دين قلوب وليس قوالب..كل المناسك  ماهى إلا ترجمة فعليّة وبرهان وتعبير على شُكر وحُب وتقدير وتعظيم وإجلال من المخلوق للخالق..كذلك الزواج..فالتنظيف والطبخ وإنتقاء الديكور والكواء والعلاقة الحميمة ماهى إلا تعبير عن الحُب الصادق..حب القلوب وليس القوالب..الحب التلقائى وليس فرض الواجب..
رجل مثقف واع يدرك أن الثقافة ليست مجرد "نظارة" أو تركيب تعابير وألفاظ رنّانة,وليست مجرد "فهلوة" أو تفتيح مخ , بل هى موقف وهى وجهة نظر على إستعداد ان يقاتل ويموت فى سبيل الدفاع عنها..
رجل يتعامل مع السفراء ويحاور السبّاكين والنقّاشين..رجل يضع فى يدك هدية بدون مناسبة فتقولين له "ولكن هذا كثير" فيبتسم قائلاً "لقد وضعت حياتى ذاتها بين يديكى,فهل ستكون الهدايا مهما غلا ثمنها شئ بجانبها!"..
رجل ذو أصل..يعتزّ ويفتخر بجذُوره وهويّتُه..فاهماً كيف هى الأصول..عالماً كيف يُكيّف التقاليد التى لا تتعارض مع معتقداته..لا يعيش كمرتزقة..بلا أصل أو إنتماء أو دين او هويّة أو هدف..رجل ذو رسالة وهدف..يدرك أن الله سبحانه خلقه كى يكون خليفته على الأرض وأنه سبحانه فضّله على سائر المخلوقات..يُكافح أن يُثبت أنه "إنسان"..لا خنزير..كل مهمته أن يأكل ويعمل ويُفرغ شهواته وغرائزه ويموت..يؤمن بأن الله خلقه لتحقيق رسالة وسيسأله عليها يوم السؤال العظيم..
رجل يدرك أن الأطفال هم نواة ونتاج وتتويج لحبكما,وهم رسالة أخرى,ومهمة مقدسة تُضاف لقائمة المشاركة والتكامل بينكما..
رجل يفهم أن القوامة ليس منّاً أو تملُّك أو فرض أوامر لا تُناقش أو تحكُّم رأى أو إنفراد بالسُّلطة,فإذا كان الرجال قوّامون فالنساء هن سكناً وأمناً.ورباطهم ودستورهم هو المودّة والرحمة والمعاملة الطيبّة والإحسان والكلمة الخيرّة المحترمة..
رجل حنون حنيّة الأجداد , ولديه حزم وإصرار وعزيمة وكاريزميّة القادة..
رجل ينفجر من صخريّته نبعاً من الحنان والرقّة والعطف..
هل كلامى يبدو خيالاً؟..هل أرسم لك صورة إغريقية أسطورية للرجل الكامل؟..
فى رأييى أننى لا أظن ذلك..فقط أزيحى عن عينيكى الغشاوة..وإرمى بطول ذراعك تلك الشّحنات السلبية والآراء الضبابية التى تغشى نقاء روحك وصفاء بصيرتك وتُعكّر تركيز تفكيرك وإدراكك..بعثرى الغبار الذى تركه البعض حول أُذنك ومدركاتك..وثقى أنك موهوبة وأن الله قد خصّك وميّزك بشئ..وأنك لم تُخلقى لتشبهى الملايين..وإنما أنتى جئتى إلى الدنيا فى بعثة مُقدسة لتكتشفى جوهرتك وتُصقلينها,ولتكونى مثالاً لكل واحد ليثق أن تحت مظهره العادى بذرة فى مكان ما فى روحه..بذرة ربّانية..نورانية..عليه أن يبحث عنها ويكتشفها..عندئذ سيتصالح مع نفسه ويهدأ باله وتضئ السكينة روحه ويصبح كل شئ بعد ذلك ممكناً..
ولتعلمى أن كل نسخة من نفوسنا خلقها الله كبصمة الإصبع,خاصة جداً,وشديدة الخصوصية وغير قابلة للتكرار..فهى ذات ليس لها مثيل أو شبيه فى سرّها وخصوصيتها وتفرُّدها وتميُّزها..وهى تلمع وتتألّق كما الجوهرة.كلّما حافظتى على هذه الخصوصية وهذا التميّز وتلك المقدرة التى وهبها الله لكى وتمسكّتى بذاتك وتحقيق طموحاتك وأهدافك وأحلامك بُخطى ثابتة وعزم لا ينحنى لرياح أو لأعاصير,ولم تذُب تلك الخصوصية ولم تُصبح على كل الألسنة ولم تُصبح مشاعاًَ..والنفوس العظيمة هى التى استعصت على الذوبان أو الجمود فى قوالب وحافظت على البصمة الإلهية الفطرية النقيّة الخاصة بها..
ولتدركى أنه إذا خفيت الحكمة فى العذاب أحياناً..فلأننا لا ندرك كل شئ ولا نعرف كل شئ ولا نحيط علماً وإدراكاً لكل شئ,ولا ندرك من القصة إلا تلك المرحلة المحدودة بين قوسين إسمها "الدنيا"..أما قبل ذلك وما بعد ذلك فهو بالنسبة لنا غيبٌ محجوب لأجل سلفاً مكتوب..
ولذا فيجب أن نصمت فى إحترام ولا نطلق زلفاً الأحكام..
وعلى كل حال,فسيظل الإنسان عزيمة مثابرة..وهمّة متصاعدة..وقلباً يتمزّق عذاباً وأشواقاً طاحنة بين ما يُريده , وما يستطيعه..آآه..مُقدّس الإنسان فى عذاباته!..
فالعُمر مهما طال قصير..والحلام والأمانى مالها آخر..ولن نحصل على كل شئ فى النهاية..ولكننا نُكافح بأن نأخذ أى شئ من كل شئ متاح..ولن نأخذ كل شئ عن أى شئ ولو أضافوا أعماراً فوق عمرنا, ففى النهاية ما أُوتينا من العلم إلا قليلا..ولكننا مع كل شهقة وزفرة يُولد  ويتجدّد لدينا أملاً أنه مازال هناك وقت وفرصة علينا إستغلالها وعصرها وإستخراج الفائدة منها..
والله خلقنا كُتلة من المشاعر والعواطف والأحاسيس..ثم بعد ذلك صنعنا نحن مراتب الحياة وفئات المجتمع والتفضيل الاجتماعى والوظائف..دنيانا التى خُلقنا لنسير فيها كمرحلة إستعداد وتجهيز لآخرة خير وأبقى..فنسير فى الأرض ونقرأ ونعرف ونُخطئ ونتعلّم ونًذنب ونتوب ونتكبّر ونجهل ويُجهل علينا..والخيط الرابط الذى يلضُم كل حبّات معيشتنا هو ذلك التوازن بين هذا وذاك,والوسطيّة والاعتدال والرصانة والرزانة فى حُكم الأمور..

*****************
أقول لها..أنتى لم تُضحّى بحياتك الأسرية,على حساب طموحاتك وأحلامك العمليّة,فأنتى بذلك تظلمى طبيعتك الرومانسية الحالمة ,وتُحمّلى وتشحنى طبيعتك العمليّة بشحنات سلبية أنتى فى غنى عنها,وستؤثّر عليكى حتماً..إما باليأس السريع..والاحباط الأسرع..وفُقدان من يهتّم فعلاً بكِ..وإغلاق أُذنك عن أى كلمة جديّة,وستُشيحى بوجهك عن أية نظرة صادقة..وستأخذين بالظواهر والأشكال وتنسين شيئاً فشيئاً حاستّك السادسة وإحساسك الذى قلّما يُخطئ عن تمميز الغثُّ من السمين,الصادق من المُخادع,الذّكر من الرجل,المجاملة الباردة من المدح الصادق,الصديق من العدو,الإستغلالى من الأمين..ستساوين كل الأشياء بميزان ومكيال واحد,وهو خطأٌ لو تعلمين عظيم..
بتجاهُلك لطبيعتك الرومانسية الإنسانية فأنتى تنتقمين من نفسك وذاتك وطموحاتك وأحلامك وطبيعتك العمليّة دون أن تدرى..دون أن تشعرى تتعاملين معها وكأنها المُذنبة التى حرمتك من الحب والأسرة والزواج والأطفال..رفقاً بروحك يا صغيرتى..فلا جدوى ولا معنى ولا مبرّر لهذا العذاب والتمزُّق..
*******************
وان إتخَانتْ
او إتهجَرتْ
اوإتخدعتْ
إوعاك فـ يوم يا ولدى
تكرهُه
إستحمله..
ده داء مالوش أى ترياق
لا فى كُتب السّحر
أو قواميس الطبّ
من المُلوك للصّعاليك
كُلّه فيه بيطُّب..
دى النّفس يا ولدى..                      
 أمّارة بالحُبّ.....
                                                                 (من قصيدة قديمة لى)
***********************
عندما وصلنا إلى المكان الذى ستُعقد فيه الندوة..جلسنا فى حجرة إستراحة الضيوف,فى إنتظار قدوم المنّظمين والقائمين على المناقشة,وبعد السلامات والتحيّات والدعابات وطيبُّون عرفّتنا ببعضنا..هذا الكاتب فلان..هذه الروائية فلانة..هذا القاصّ علاّن..وهذه الفنانة ترتانة..وعندما جاء الدور علىّ..وهذا "هو" فقط!..وياليتك كنت معى لترى نظرات الإستهجان والإستنكار!..ما هذه المكنسة الصلعاء الشبيهة بزجاجة زيت التموين التى تصحبها وتجعله يجلس بيننا هكذا!..والحق أقول..كنت متأنقاً زيادة عن اللازّم, حُلة كاملة "بمنافعها" برباط عنق والحذاء "فيرنيه" لامع, دالقاً على وجهى ربع زجاجة البارفان الذى أحبه..وكوفيّة بيضاء لزوم الشياكة والحنتفة!..ولكن فى النهاية إيش تعمل الماشطة فى الوشّ العِكر!..وجلست وأنا متحفّز لأى بادرة سخرية أو مألسة فسينوبهم مالا تُحمد عقباه ومن المنقّى يا خيار!..ولكن الحمد لله ستّار الفضائح , فلم يعيرونى اهتماماً بعد ثانى لحظة!..وانهمكت فى حديث جانبى مع أحد الضيوف عن الأحوال الأدبية الحالية,وتصاعد الحديث بيننا وهو يُشهدنى على أشياء وعيناه تزداد إتساعاً و (تبريقاً) لى وهو يقول : "أنا ليّا مجموعة قصصية إسمها (......) قريتها؟..أكيد قريتها..لازم قريتها"!..وأنا أقول له فى سرّى : "يا صديقى,لقد نسيت إسمك أنت أساساً بعد لحظة تعريفى بك"!..وعندما إستطعت أن ألوى عنق الحديث لجانباً آخر..دخل هو فى حديث من نوع فى الواقع وعن الموقف الاستاتيكى الذى يتعارض مع المضمون السفلى للأغاوير,من أجل تحقيق طموحات الشواشى العليا للأفُق المضروب على قفاه!..كل هذا وأنا أنظر إليه نظرة مستريبة وكأننى أقول له يا راجل قول كلام غير دة!!..إلى أن جاءت لحظة الخلاص وحان ميعاد الندوة ..وذهبنا للحجرة المخصّصة لذلك..
الحقيقة كان مكاناً تراثياً أدبياً جميلاً,أغلب حجراته مُغلقة..وتوّقعت أن يفتح هذا الباب فيخرج لى (توفيق الحكيم) متوكأً على عصاه منحنى الظّهر ناظراً لى بنظرة إشمئزاز قائلاً فى مقت  : " إن "حمارى" لهو أوسم و أجمل منك بمراحل,فهو بجانبك (آلان ديلون)" ثم يسبّنى بالفرنسية ويتجاوزنى , يتبعه (السباعى) بحُلة سكريّة اللون تُضئ وجهه إبتسامته الوديعة المعروفة وهو يربت على كتفى مواسياً قائلاً : " لا تغضب..فإنه هكذا مع الكل!..منذ قليل قال لى أن (براكسا) تستطيع أن تحكى روايات أفضل من مؤلفاتى بمئات المرّات !,وهو يريد أن (يُدبّسنى) فى حسابه مع (البوفيه) !"....وتوّقعت بأنى ألمح (العقاد) جالساً فى ضيافة مدير الدار قائلاً له وهو يُشير إلىّ بعصاه : "يا مولانا !..من الذى سمح لهذا الشئ أن يخطو فوق تراب حذاء (العقاد)؟!"..
وتخيلّت وأنا أصعد السلّم أن كتفى يحتّك بياقة  العملاق (نجيب محفوظ) وهو يميل ليهمس فى أُذنى بنكتة لاذعة حرّاقة ويمضى إلى حال سبيله,لأواجه وأنا مازلت أضخك من حلاوة وطلاوة النكتة عينى (يوسف إدريس) الأسديّة وهى تزغُر لى فتُحشر فى حلقى غُصّة..
وأفقت من خيالاتى على صوتها ينبهنى أننى فى حالة غريبة,فكنت أشبه بمجذوب فى حى الحسين فاغراً فمى فى بلاهة , متسّعة حدقتا عينى فى إزبهلال وحيرة,لا ينقصنى إلا عشرة مسابح وخرقة بالية أرتديها وأهتف "حىّ الطوفان جاىّ" !..ودخلنا حجرة الندوة..وجلسنا..
كان الوقت قد تأخّر,لذلك كانت قلقة  ومتعبة وهى تريد أن تشعرنى بجو من الأُلفة وأننى لست وحيداً..وفتحت حقيبتها وأخرجت مُفكرتها..وبتصّرف تلقائى أدرت وجهى حياءاً لجهة أخرى حتى لا تصطدم عينى بأشياؤها الخاصة,حتى همست فى أذنى لترينى تلك الأشياء التى سجلّتها فى مفكّرتها..هذا هو رقمك حتى لا أنساه!..وهذه أفكار عابرة كتبتها حتى لا أنساها..وهذه وصايا قالها لى أبٌ فاضل أثّر فىّ كثيراً..وهذه مواعيد عليّا ألاّ أهملها..وهذه وهذه وهذه..
الحقيقة..أثّر فىّ هذا الأمر كثيراً كثيراً..
تلك الأشياء..
تلك الأشياء البسيطة..
تلك الأشياء العفوية التلقائية..التى أشعرتنى بالدفء الحميمى فى زمهرير ذلك اليوم..
تلك الأشياء التى أنستنى ضيقى من أننا لم نجد فرصة واحدة كاملة مناسبة للحديث..
أنستنى تعبى وإرهاقى وإنهيار خلايا جسدى فى ذاك اليوم..
أنستنى تحفظّها وبرودها معى فى بداية الأمر..أنستنى مدى سخافة وبرود القوم الذين عرفتنى عليهم, أنستنى سباب (الحكيم) لى !..
تلك الأشياء التى إستطعت من خلالها أن أقرأ بعضاً منها,وتلمس وتر إحساسى وشعورى وإدراكى..
تلك الأشياء البسيطة التى هى أغنى وأثرى وأبلغ وأوجز من أى كلام..
تلك الأشياء..نظرتها..مجاملاتها..سلامها..مفكرتها..مواساتها..قلمها..إهدائها..
فما نحّبه فى تلك الشياء..ما نحبّه فى البيت والغرفة والمدفأة والمفُكّرة والقلم ودخان السجائر والغليون وصوت الكروان الشّجين..وما نُخلّده بالأشعار والأغانى والكلام,وما نشتاق إليه فى ليالى الغُربة والخريف الحزين..ليس هو البيت ولا الغرفة ولا المدفأة ولا الدخان ولا ورق المفكّرة ولا صوت الكروان ولا حبر القلم..وإنما هى مشاعرنا وذكرياتنا ومخاوفنا وآمالنا وآلامنا التى نسجت نفسها حول هذه الجمادات وبعثت فيها نبض الحياة وجعلت منها مخلوقات تحبّ..وتحنّ..وتفتقد..

******************
الحق أقول..لست أدرى كيف أنهى كلامى هذا..فتلك ليست قصة أو خاطرة أو رواية لها بداية ووسط ونهاية..
هل تماديت فى وصفى لها؟..هل كنت أكتب وأُسجّل فعلاً ما  قرأته ورأيته وشعرته وأحسسته ولمسته منها..أم كتبت أساطير أولّين و ما يدور فى نفسى ومدار أملى أن تكون تشعر بتلك الأشياء!..
لا أدرى..
هل تأخذها الجلالة وتقنع نفسها بأنها هكذا فعلاً..أم ستتمسّك بالمزايا _حتى لو لم تكن فيها_,وستنأى بنفسها عن العيوب_وإن كانت فيها_!,أم سيركبها شيطان التمرُّد والعناد وتقول بأنها ليست كذلك على الإطلاق!..
لا أدرى إذا كنت كما الصورة فى خيالها أم لا,,أم آتى على ذهنها أصلاً أم لا!,فأنا لست أدرى حتى الآن ذاتى من خلال عينيها!..
حقاً أتمنى معرفتها أكثر..
وصدقاً أبغى الغوص فى أعماقها وروحها أكثر..
وفعلاً سأحاول بكل ما أُوتيت من قوة وعصب رجال أن أُحقق لها أى شئ يخطر ببالها..
هل ستستمّر فى معرفتى؟..
هل ستريد أصلاً معرفتى؟!..
إنه فقط إنطباع..تسجيل لتلك الأشياء التى وقفت عندها..
ترجمة مبدئية لشيفرة المشاعر والكلام الذى أردتُّ أن أنقله لها,ولم يك ذاك فى مقدورى لظروف الوقت والانشغال وضيق الحال وتعكير روقان البال..
هل نعتبرها إذن كلمة شكر لمعرفتها وعربون محبّة وصداقة..جائز..
تحية تقدير لنقاء وصفاء روحها..ممكن..
شفقة منّى ومرثيّة على حالها وعذابها...لا يُمكن !..
فقط أقول لها..أشياؤك البسيطة جعلتنى آخر..
إنها..
تلك الأشياء....


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق